برنامج الفيلم الصيفي: صنّاع في الشمس

ما بين حرارة شمس القاهرة المميزة وصيف أبوظبي، وفي إطار احتفالات معرض 421 وسينما عقيل لموسمهما العاشر للأفلام، يطلق برنامج الأفلام الرقمية «صانعون في الشمس» عروضه، بالتعاون مع مهرجان Film My Design، وهو عبارة عن سلسلة من عروض الأفلام عبر الإنترنت والمقالات والمحادثات والأسئلة والأجوبة.

 

وتقدم السلسلة التي تمتد على مدار ستة أسابيع عروض الأفلام الصيفية عبر الإنترنت، بجانب مجموعة من المحادثات المسجلة مع صانعي الأفلام والمحررين والمصممين والمبرمجين حول العلاقة بين الفيلم والتصميم.

ستتوفر جميع الأفلام على موقعنا الإلكتروني للمشاهدة من 1 أغسطس إلى 15 سبتمبر.

 

FMD (Film My Design) هو مهرجان سينمائي للتصميم األول والوحيد في منطقة الشرق األوسط وشمال إفريقيا، والذي يقام في القاهرة، مصر. وباعتبار ارتباط مصر القوي والطويل األمد بالمشهد السينمائي، يهدف FMD بسرد القصص الملهمة والمثيرة لالهتمام والتفكير حول التصميم والعمارة والحياة الحضرية من خالل األفالماللغة األكثر عالمية لرواية القصص بشكل مرئي.

 

سينما عقيل هي سينما بديلة مستقلة، تتيح الفرصة للجمهور لمشاهدة نوعية مختلفة من الأفلام العالمية والمحلية، من نتاجات ابداعية و زمنية مختلفة، بهدف نشر الوعي والاهتمام بصناعة الأفلام م والفنون السينمائية.

 

cinema-akil-60f0116964daa.png (original) fmd-60f011b80be8c.png (original)



مقال

الأشباح التي تسكن مصر في هذه الأفلام الوثائقية الخمسة

كجزء من برنامج الفيلم الصيفي: صنّاع في الشمس، يكتب مَ هُوجْلا-كَلْفَتْ مقالًا عن الأفلام الخمسة في السياق القيِّمي للبرنامج.

عبر خمسة أفلام مصرية متفاوتة الطول أنتجت مؤخرا، تشتبك نزعات وثائقية ونبرات وأمزجة وأنماط مختلفة، يتداخل فيها النهج الحقوقي والصحفي والتليفزيوني مع السينمائي الفني والشخصي، لتنتج لمحة مكثفة عن نقاط التقاء الفن والتصميم والعمل اليدوي غير الصناعي في مصر اليوم، على خلفية مأهولة بأشباح التاريخ، وأشباح أخرى تسكن الميادين والمحاجر والمشاغل والمحترفات.

 

Read More

«رمسيس راح فين؟» (عمرو بيومي، ٢٠١٩، ٦٢ دق)

فيلم عمرو بيومي التسجيلي الطويل الوحيد، بعد ٢٠ سنة من عمله في الإخراج، هو فيلم حياته بأكثر من معنى. فهو فيلم عنه كطفل وابن وتلميذ وجندي ورجل ومواطن ثم كمخرج، حيث يصبح هذا الفيلم الشخصي أيضا فيلما انعكاسيا على مستوى آخر، كفيلم عن السينما والأفلام وصنع الأفلام. لكن هذه السيرة الذاتية، التي يظهر فيها الوسيط كموضوع، ليست إلا وسيلة لتأريخ من نوع آخر، إذ نتلقى في الوقت نفسه رواية بيومي لقصة البلد، وعلى نحو يمزق الخطِّية، فلا يتبناها إلا ليتخلى عنها. وهذا التأريخ أبعد من أن يكون ’سيرة لأمة‘، وإنما هو تاريخ اجتماعي للجماعة المصرية المتخيلة. أما على المستوى البسيط والبديهي والمباشر، وعلى نحو يكاد يكون مخاتلا، فهو فيلم عن تمثال رمسيس الشهير بالطبع، لكن هذه العلاقة بين الفيلم وموضوعه المفترض ستظل متوترة إلى النهاية، على الأخص في ذروة هذا التوتر عندما تلتقي اللقطة الختامية بسؤال العنوان.

 

تتزامن اللحظة التأسيسية الخاصة بعودة المخرج إلى بيته القديم مع وفاة والده وأزمة سياسية استثنائية نعرف مغزاها الرهيب على خط الأحداث التي بدأت في يناير ٢٠١١، لكن دون شروحات هنا، ولن نمر على يناير إلا قرب نهاية الفيلم، وفقط ضمن مسار نقل التمثال في ٢٠٠٦. تسلمنا لحظة العودة التأسيسية في ٢٠١٣ إلى استرجاع مزدوج، عن طريق ذكريات الطفولة أمام الفراغ الذي كان التمثال قد خلّفه، والآن فراغ خلّفه الوالد، وفراغ خلفته كل الأحداث، وذكريات أخرى ستولد في مرحلة لاحقة من الفيلم تخص تجربة تصوير نقل التمثال، ومعها شبكة معقدة من الانعطافات والمسارات المتعرجة.

 

إن سؤال العنوان المخاتل هو في الحقيقة إيماءة شديدة التركيب إلى أسئلة أخرى، وهي الأسئلة التي توالت على ذهن المؤلف-المخرج-الراوي وأسلمته إلى غيرها تباعا، في تلك اللحظة، ثم عبر رحلة تحول هذه اللحظة إلى فيلم، إذ يشركنا في الأسئلة وبحثه عن إجاباتها من خلال الصور والسرد والأرشيف بمعناه الواسع، بما يشمل المجموعات الخاصة والمقتنيات الشخصية. يحاول المخرج بعد عقد كامل فهم وتأمل ما كان قد صوره في حقبة سابقة، وفهم طفولته وشبابه على خلفية ما يحدث في البلد والميدان، ليصبح ذلك وبشكل واعٍ محاولة صوغ معنى للمدينة وتحولاتها، ولمسارات الحداثة المصرية تحت الاستعمار وبعد الجمهورية، من تجربة مشاهدة السينما ممثلة في فيلم «باب الحديد» (يوسف شاهين، ١٩٥٨) - وهو اسم قديم لمحطة مصر الكائنة في الميدان القريب من البيت - وتأمل علاقة الذات والموضوع عبر وساطة الميديا القديمة نسبيا والناشئة، بأدوارها المختلفة (الصحافة، التليفزيون)، إلى مشروعات التنمية وتطوير طرق النقل والمواصلات والتغير السكاني والعمراني، مرورا بإعادة تأسيس الدولة الحديثة والسردية الوطنية-القومية وإنتاج "الذات المدنية" و"الذات العسكرية" أو بلغة الفيلم "كسر" الذات.

 

فالتمثال الذي ينقل إلى موقعه الجديد في ميدان نهضة مصر (رمسيس لاحقا) هو إعلان رمزي عن الدولة الجديدة، ليحل محل الوطنية السابقة مجسدة في تمثال «نهضة مصر» الذي سينقل بدوره إلى ميدان أقل مركزية. وبهذا نكون قد انتقلنا أيضا من الريف حيث كان قد اكتشف التمثال مستشرق-آثاري. يتقاطع هنا تاريخ الاستعمار والاستشراق مع تاريخ دولة مستقلة حديثا تستأنف ما كان قد فاتها بما يشمل مستلزماته الثقافية والأيديولوجية، هذه العملية المتناقضة التي تتلخص في إيجاد شرعية لدولة حديثة ووطنية ناشئة عن طريق اكتشاف ماضٍ عريق، بما يشمل افتتاح المتاحف وإقامة الأنصاب التذكارية وإعادة كتابة التاريخ بامتلاك الآثار وتقرير موقعها وتغيير/تثبيت الخرائط. ويؤكد تعليق بيومي، بدقة ولكن بترشيد هائل يسمح للمشاهد باستيعاب وتأمل كل هذه العلاقات، على معنى وصول الضابط العسكري والزعيم من العصور القديمة إلى هنا على يد الضباط الزعماء الجدد، في حروبهم وسلامهم ومشاريعهم الحضارية والتنموية.

 

ثم تظهر الجماهير الغفيرة. فبعد أن شاهدنا أسطح السكاكيني، نموذجا نمطيا لأسطح قاهرة الطبقات الوسطى والدنيا، بخردتها وأغراضها المهملة ولكن المستبقاة، والشوارع الخالية البعيدة، من صور جوية تمثل خريطة، وقرويين بعيدين، تحتشد الملايين في الشوارع والميادين من العاصمة وما ورائها، ومن تلقاء نفسها لتشييع عبد الناصر، وهي الصورة المتراكبة التي يحاول بيومي تفكيكها على أكثر من مستوى، صورة مركزة لمصر في لحظة شديدة الكثافة تمر في الميدان موضوع الفيلم وتستقر في ذاكرة الطفل ولكنه يستعيدها الآن عن طريق أرشيف أجنبي يفرج عن المادة لأول مرة. سيتجاور هذا الظهور التلقائي المشحون للجماهير مع ظهورات أخرى في تواريخ متباعدة، ومع تبدل موقع الراوي عبر الزمن، والذي يتحول إلى تنقل مادي سريع أثناء نقل التمثال. كما ستعود الخرائط بمعانٍ ووظائف مختلفة. تتجاور مع الجنازة الشعبية الكبرى جنازة رسمية تالية خالية من الجماهير، وجنازة رمزية تكتسب طابع موكب ملكي ولكن شعبي بالمعنى البهيج مع نقل رمسيس مجددا. (كما تتجاور معها في ذهن المشاهد الآن في صيف ٢٠٢١ مشاهد قريبة فخيمة لموكب جثث ملكي فرعوني شديدة التنافر معها).

 

لا يعنى فيلم بيومي أبدا بأن يصور تمثال رمسيس الثاني في مكانه الجديد، ’النهائي‘، في المتحف المصري الكبير، ليخلخل فرضية وعتبة فيلمه الأساسية أي استفهامية سؤاله (أين ذهب رمسيس؟)، جاعلا من ذلك نهاية مفتوحة، غامضة وشاعرية، ومضفيا عليه كذلك استعارية تتفاعل بنشاط مع انشغال فيلمه بالمصائر والأقدار والمسارات. تعمل حساسية صانع الفيلم على الإفلات من الحنين والامتناع عن غمر المشاهد المصري على الأخص به، بالرغم من كل ما يحفل به الفيلم من مواد أرشيفية وذكريات طفولة وأغانٍ قديمة ومن العود. وتشمل الرهافة انتقاء وتصميم الموسيقى وشريط الصوت، بحيث يؤكد على المهمش وعلى ’الإحياء‘ فقط عن طريق اكتشاف علاقة حية ومستمرة. وتكون النتيجة هي الخفة بديلا عن الثقل، والإيماء إلى المستقبل لا الماضي. ويلعب دورا واحدا فقط في ذلك الإعلان التحريكي المستخدم - والفيلم مسمى باسمه - والطريقة التي يعرض بها داخل الفيلم، إلى جانب الكاريكاتيرات، مخلصا الحضارة الفرعونية من جديتها القومية والحضارية وجهامتها الخاصة المرتبطة بدياناتها، ومن أي سخرية عدمية في الوقت نفسه، بالنظر إلى دعاية تجارية تستغل التاريخ العريق في حقبة ١٩٦٧.

 

منذ اللحظة الأولى يشير بيومي إلى هذا الثقل المصري المميز، الذي يتخذ شكل حقائب وصناديق و"كراكيب" واستعادة ضرورية للماضي بكل أشباحه ومخلفاته. وإلى تعذر المستقبل وتعطله بشكل يدفع بقوة طردية إلى الماضي. وهذا المعنى، في فيلم متعدد المعاني والطبقات والمراكز التي يجمعها خط من التتبع والتأمل والتفكير المركز، يتكثف في رمزية نقل التمثال العملاق، وتاريخ اجتماع التقنيين والعمال والحرفيين والناس العاديين حوله لتدبر وتصميم طريقة لتنفيذ القرارات العليا وحمله وجره، وانضمام المخرج إلى هذا الاجتماع، لا لينسحقوا جميعا في ظل الملك والماضي والعمل المضني، وإنما ليمرحوا ويتحرروا ويتمردوا ويصبحوا هم الموضوع وأصحاب القصة. على غرار المهندس مصمم عملية النقل، يصمم بيومي سينمائيا طريقة لتخفيف الحمول وتوفير قوة ووقت العمل، فقط بعد جرد وفرز صارمين، مقترحا مسارا سياسيا إنسانيا وتحرريا.

 

في «رمسيس راح فين؟» هناك تلك اللحظة فوق طريق المشاة العلوي، إذ تدور الكاميرا دورة كاملة وأكثر، وتصطبغ الشاشة بالحمرة، ويهيمن على شريط الصوت طنين مكتوم، بينما يحكي الراوي باقتضاب عن فقدانه للذاكرة في يوم معين بعد إنهاء الخدمة العسكرية ومواجهة عاصفة مع الأب. كبرزخ يقطع وكجسر يصل، في آن معا، يدفع المشهد الفيلم في اتجاه عمل هجين حيث تختلط الوثائقية بالخيال والإبداع القصصي والشعر. وإذا كان فقدان الذاكرة مجازا لا حقيقة طبية أو سيرية فهو ذو صلة وطيدة بمسألة الذاكرة والتعب في الفيلم.

 

«الدنيا فابريكا» (مصطفى درويش وآخرون، ٢٠١٨-٢٠١٩، ٤١ دق)

يمكننا مشاهدة بقية أفلام البرنامج تحت عنوان متخيل هو «الشغل: الناس يتكلمون عما يعملونه طوال اليوم وكيف يشعرون حيال ما يعملون»، وهو عنوان كتاب ستدز تركل الشهير (١٩٧٤). والعنوان ليس المشترك الوصفي الوحيد. فالمقابلات التي يجريها تركل مع العاملين في شتى المهن يمكن تلخيصها بأنها شهادة إنسانية عن عذابات العمل ومباهجه، وجملة موازية من التناقضات؛ الإحباط والفخر، الرتابة والإبداع، إلخ. كما أن التاريخ الاجتماعي أو الشفاهي عنوان عريض هنا أيضا. «الدنيا فابريكا» هو أحد هذه الأفلام، وهو فيلم أنثولوجي مصنوع من عدة أفلام قصيرة لأكثر من مخرج، أعد في ٢٠٢١ بينما تعود الأفلام الـ١٣ المدرجة فيه، والتي لا تمس مونتاجيا لهذه المناسبة، باستثناء إعادة ترتيبها، إلى ٢٠١٨ و٢٠١٩. هذه السلسلة المقترنة بمنشئها الصحافي في «مدى مصر» معدة للمشاهدة على الوسائط الاجتماعية وعلى الأخص يوتيوب حيث نشرت (عبر ٣ سنوات)، ولا ترافقها نصوص إلا في حدود الوصف المختصر لمحتواها. وجمعها هنا لتشاهد كفيلم قابل للمقارنة بـ«إنسان» (يان أرتوس برتران، ٢٠١٥)، والمصنوع ليشاهد أيضا بشكل موازٍ واجتزائي ومن دون ترتيب محدد بالضرورة كمقاطع ومقابلات منفصلة على يوتيوب.

 

بالعودة إلى النبذات المصاحبة للڤيديوات الأصلية المنشورة تباعا، فإن موضوعها، وموضوع الفيلم بالتبعية، هو "ورش الصناعات اليدوية في مصر"، أو، كما ورد في حلقات تالية، "الحياة من خلال ورش الحرف اليدوية"، وأخيرا، "حياة العمال داخل ورش الحرف اليدوية في مصر". وفي نسخة الفيلم، يغيب البعد التطوري للڤيديوات، ولا تحذف الحلقة الأخيرة فقط ("فرن التجارب")، بسبب اختلافها الشديد في روحها وأسلوبها لا زمنها فحسب، وإنما ٧ حلقات أخرى (من إجمالي ٢١)، وتتتابع الأفلام القصيرة متناسقة الطول والشكل إلى حد ما (الزنكوغرافي هو الأطول وسروجي الحناطير الأقصر، بما يقارب ضعف المدة)، وتتكرر معها (في البدايات/النهايات/الفواصل) الشارة الموسيقية التي تصبح الآن لازمة أو موتيڤة، وبعد أن كانت تكراريتها غير حتمية عند الاستماع إلى الڤيديوات منفردة أو في قائمة التشغيل (من الأحدث إلى الأقدم كما يجبرنا يوتيوب)، يتأكد هنا طابعها التنويمي المهلوس مصحوبا بقتامتها وسوداويتها المصرية الأصيلة والتي تتفاعل مع المحتوى لتؤدي وظيفة النواح والرثاء، مثل ’عَدُّودة‘، ربما على الأخص للمشاهد المصري أو العربي الذي يألف مصدرها الغنائي، إذ يشكو مغنيها الكادح في الفيلم الروائي الأصلي من غدر الزمان ويحن إلى ماضٍ أطيب. وهذه الإشارة الصوتية الصرفة محملة بالمعاني والغمز والأسئلة رغم ذلك. وتحيل كلمة "فابريكا" (وكتبت في مصر أحيانا بالقاف، "فابريقا"، وجمعت على "فباريق") إلى بدايات زمن التحول الصناعي الإنجليزي، ولاحقا إلى الورش أو المشاغل الآلية أو المصانع الصغيرة في مصر.

 

سيكون من السهل في منبر إعلامي مختلف، وعلى يد صناع محتوى آخرين في البلد نفسها، أن تتحول الحرف نفسها بل الورش والشخصيات نفسها المتناولة هنا، إلى موضوع رومانسي يطغى عليه الحنين إلى الماضي بدوره، مخاطبا ذلك عند المشاهد المصري أو مضفيا جاذبية وغرائبية تجارية للأجنبي/السائح المنتظر أو ’السائح المحلي‘. أما على منبر نضالي أو يساري صراحةً أكثر اهتماما بدراسة الطبقة الكادحة والعمل - غير الصناعي في هذه الحالة وهو ما سيمثل في حد ذاته قطيعة ما مع أرثوذكسية ماركسية وكذلك مع هوس السينما عموما عبر تاريخها بالمصنع (بالرغم من تأكيد هارون فاروقي على العكس) والعمل المكتبي - إن لم يكن بالدعاية أو التوجيه، فكان التأكيد سينتقل أكثر إلى الظلم وتفاصيل الربح والقيمة ووسائل الإنتاج. ويمكننا تخيل نسخ أكثر على هذا النحو، بعضها مثلا أكاديمي مهتم بالأنثروبولوجيا، وبعضها يضع الصانعين المصريين في سياق عالمي. تكمن ميزة هذه المجموعة من الڤيديوات القصيرة في أنها خليط واعٍ وملتزم سياسيا من كل ذلك من حيث اختياراته وترجمته البصرية.

 

فبعض الحلقات/الأفلام عن حرف في طريقها المحتوم إلى الزوال: أحد آخر صناع الطرابيش في مصر، والذين انقطعت صلتهم منذ عقود بالحياة اليومية وأصبح إنتاجهم مربوطا بصناعة إنتاج الماضي ذاتها، أي الأفلام والمسلسلات والمسرح من ناحية، ومن ناحية أخرى مؤسسة تقليدية سابقة على الحداثة هي اﻷزهر حيث يبقى الطربوش والعمامة جزءا من زي الطلبة الدينيين ورجال الدين الأزهريين، ويشبههم بشكل ما "صناع البردي" المحدثون الضاربون في ماضٍ أقدم بكثير، وزبونهم أيضا ليس المستهلك في الحياة اليومية وإنما السياحة بالأساس، والتي يستهدفها أيضا بشكل أساسي صناع الألاباستر، فتركد هذه بركود تلك. أو يكون الأفول أقل وضوحا (سابك النحاس).

 

ومن اللافت في اختيار صناع الفيلم تأكيدهم على جانب الأفول والزوال و"التهديد بالانقراض"، إذ تتضمن الحلقات المحذوفة بعض أكثر الحرف والصناعات فيها استقرارا وانتشارا وأقلها تعرضا للتهديد، مثل المنجد والفسخاني وصانع العسل الأسود. ولكن حتى من ينتج للحياة اليومية هنا يتعامل معها من خلال المناسبات (الأعراس، السبوع، الأعياد) بل ويستهدف أحد المنتجات أجانب من نوع مختلف: ثوب أو قماش "الفركة" التقليدي المصنوع في نقادة من أجل السودانيات. كما يتأرجح نوع آخر نحو سوق نخبوي بعد زوال قاعدته الشعبية التاريخية: النسيج الإخميمي التقليدي، البلاط اليدوي. ويبتعد قليل منها أكثر نحو ما هو غريب ونادر ومثير للفضول وشبه مجهول: نحات الملح.

 

يتأمل هذا الفيلم حالة العامل العالق بشكل غريب في الماضي السابق على الحداثة والتحول الصناعي والتكنولوجيا العالية، لأسباب تخص تعطل الحداثة في بلد المشروع وموضوع الفيلم، عبر عاصمتها الكبرى والعاصمة الثانية ومدنها وبلداتها وقراها (تتوالي أسماء المواقع في ركن الشاشة)، أو التراجع عن التصنيع، أو بسبب تعلق عاطفي بالتقاليد والقديم والبسيط ومقاومة لعالم آخذ في تهديد ما هو محلي ومباشر وحميم، ومن ذلك ما يوحي به إصرار ابن، باسم أخوة/أبناء عمومة لا نراهم، على استمرار ورشة (طرابيش) الآباء/الجد كجزء من شرفهم العائلي (و/أو الوطني) مهما تغيرت الظروف، ما يستدعي الفيلم الروائي الكلاسيكي («سواق الأتوبيس»، عاطف الطيب، ١٩٨٢) ، حيث يأتي التهديد مع هبوب عواصف الانفتاح النيوليبرالي. وتجتمع المشاعر المختلطة والمتنوعة - من الإحساس بالظلم والشكوى إلى الاعتزاز والتنافسية ومن الحسرة إلى التسليم والامتنان وهلم جرّا - لتتفاعل مع مشاعرنا وأفكارنا المتضاربة؛ الرغبة في حماية القديم والضعيف، أو في تركه والتقدم إلى شروط أكثر عصرية، سواء ستضحي بالعامل والصنعة أم ستحميهما بطرق جديدة تشمل تغييرهما أو إحلالهما. تتقابل بديهية الحفاظ على الفنون التراثية مع مكوث تقنيات بدائية ووسائل قديمة وقروسطية (عربات الكارو مثلا) لتتعرض مسألة التقدم والتأخر والاتصال الاجتماعي إلى مساءلة.

 

بمخاطرة ابتذال ماركس، يمكننا القول إن الفيلم (وما يُقترح الآن تسميته ’أفلام التصميم‘ عموما) يكسر اغتراب العمل سيء الصيت، ومثاله الكلاسيكي هو العامل الصناعي على خط تجميع السلعة، على مستويين غير مباشرين. أولهما بإظهار علاقات الحرفي اليدوي الحميمة بمنتجه وإحاطته بمراحل إنتاجه وجوانبه المختلفة، وقربه من صاحب العمل (إن لم يتطابقا). وثانيهما عند المستهلك، فهو هنا يتعرف على كيف يُصنع ما يستهلكه، أو حتى يروج لاستهلاكه (أنا شخصيا، كاتب هذه السطور، بعت البردي ومصنوعات الألاباستر دون أن أرى أو أعرف أبدا كيف تصنع).

 

بصريا، وبالضرورة فيما يبدو، يبرز الطابع السفلي المميز للورشة المصرية، الخشن والحسي، والذي يترجمه فؤاد حداد في إحدى قصائده العامية عن "المعايش والصنايعية"، على لسان الحدادين: "عندنا عتمة في عتمة / عندنا نار قايدة نار". يتخذ جحيم العمل شكلا مباشرا بحضور النار حرفيا في بعض الورش—العمل كعقاب أو على الأقل كمَطْهَر بطولي.

 

تُترك أسئلة صعبة وأفكار مزعجة، بسبب قصر المدة الخاطف قبل كل شيء، لتتسحب وراء الصورة والكلمات القليلة وإفادات المحاوَرين (بعضهم يتكلم بينما يعمل و/أو يتحرك، ولا نسمع صوت المحاوِرين قط)، أسئلة تخص الدين (مثلا، موقف الإسلام من تجسيد البشر، والحاضر في فيلم «رمسيس»)، وعمالة الأطفال، وعلاقات العمل (إلا إذا كان الأب/الأسطى يتحدث عن الابن/الصبي أو إذا كانت ودية، كما في حالة سيدتي إخميم)، وغيرها. لكن كل هذه السكتات تنضم إلى التعليق السياسي المكتوم، مع إشارات مسيسة متفرقة إلى غياب الحماية والتنظيم وإهمال الدولة. كما يحضر التنوع الاجتماعي والديني في الطبقات والشرائح الدنيا والمتوسطة الدنيا، وأحيانا المتوسطة (المتآكلة)، ومعه مسائل التضامن والصمود وحدود آليات البقاء والتمكين. نتعرف على قصة أسطى زنكوغراف كبير يدفعه ضغط الديون إلى الانتحار (هذا الموضوع المحرم). تشير الساعاتية إلى توقعات الزبائن المهنية المُجَنْدَرة، وترتبط إحدى الصناعات (النسيج والتطريز) بمؤسسات اجتماعية مسيحية وترتبط بها امرأتان هما توأم روح "تقاسيان سويا".

 

أماكن العمل في الفيلم ليست فقط مسكونة بالشبح المجازي الخاص بالماضي والعالم الغابر والصناعة الآفلة، وإنما بأشباح أقل مجازية هي أشباح العمال أنفسهم، العاطلين المحتملين، الذين نسمع عنهم وعن أعدادهم حين ملأوا حيز الورشة

وقت ازدهار الصنعة نسبيا، أو بيوت قرى بأكملها، وهذا الحيز كثيرا ما يبدو على الشاشة مجمدا في زمن أسبق، وتشخص من الجدران صور متهالكة لحكام ومحكومين راحلين.

«الجحيم الأبيض» (أحمد عاصم، محمود خالد، عمر شاش، ٢٠١٨، ١٥ دق)

على عكس فيلم بسام مرتضى («في انتظار العائد من الجبل»، ٢٠١٤) لا يغادر مخرجو «الجحيم الأبيض» الجبل أبدا. وشريطهم الذي تتناوب فيه المقابلات/الشهادات للعاملين - المتناوبين على الجلوس أمام الكاميرا - مع مقاطع لمراحل العمل المغلفة بغبار الجير الجبلي، يوحي بتقرير إخباري على محطة في مصر ديموقراطية (تتناول الصحافة الرسمية نفسها على كل حال مشكلة هؤلاء العمال). بينما يكتسب أصحاب العمل حضورا خفيا مجردا مسكوتا عنه، يسمح بالتباسه مع الطبيعة بوصفها هنا إلهة شريرة غير مشخصنة يشكوها الإنسان إلى الإنسان في ديوان مظالم سينمائي.

 

بدءا من عنوانه يؤكد الفيلم على هذا الجانب الجحيمي للعمل والحاضر في «الدنيا فابريكا» (حيث بيئات العمل الخطرة، والشقاء و"المقاساة"). تساءل القائمون على أحد عروض فيلم مرتضى: "كيف يتعامل الباحث/المصور مع واقع أليم يحدث فى مكان يغوي الكاميرا بالجمال التشكيلى؟"، ونضيف إلى ذلك غواية محتملة أخرى هي سهولة إضفاء طابع ’كُول‘ (أو "رِوِش" بالعامية المصرية) على العمال بنظاراتهم الشمسية (الرخيصة) ولثامهم، تغلفهم السحب البيضاء الخطرة وهم بجرأة لا يعبأون أو يواصلون عملهم، وهي صورة تستدعي صور المتظاهرين وسط سحب الغاز المسيلة للدموع. وهناك مرح الدقيقة ١١ حيث يفلت العمال للحظة قصيرة من الشكوى والخوف والمعاناة ويستعيدون اللعب والطفولة (هذا هو الحضور السريع الخافت هنا لنعيم العمل، من ناحية اجتماعيته ودفء صحبته).

 

بالرغم من انفساح المجال أكثر في فيلم مرتضى للجانب السياسي الاحتجاجي من ناحية ولتصوير الصدمة النفسية الراطمة للعمال (أو فجيعتهم) من ناحية أخرى، فهنا لا يسمح اختيار تقنية المقابلة الرسمية وتأطيرها الجدي والصارم والمتقشف، توالي الشهادات والوجوه المعبرة المكشوفة، بالسقوط في هذه الغواية، ولا تسمح بها حركة الكاميرا وتركيزها غير المستغرق في التأملية. لا يُسمح هنا أيضا للغبار والسطح الأبيض بأن يعطي طابع المرشحات البصرية الجمالية، وعوضا عن ذلك يذكرنا بالموت في كل لحظة مثل بياض المستشفيات عند أمل دنقل ("كل هذا البياض يذكرني بالكفن"). ويختفي تماما أي اعتزاز أو فخر أو متعة بعمل قوالب طوب سداسية السطوح متطابقة لا نهائية، يتراجع فيها حضور المهارة أمام خطر الماكينة البغيضة المتخلفة تقنيا وانعدام الرؤية والوشوك على الاختناق. وحتى عناوين النهاية التي قد تتكفل تأثيرات الصور فيها - والموحية مع الموسيقى بمسلسل درامي - بإكساب العاملين هالة الأبطال ونجوم السينما، تجعلها ملتبسة مع هالة الشهداء.

«أنماط من الشمس» (محمد تيمور، ٢٠١٩، ٤٣ دق)

الفيلمان الباقيان هما الأكثر إخلاصا (يليهما «الدنيا فابريكا») إلى روح ما يُقترح تسميته أفلام التصميم، كنوع فني بالأحرى لا كمجرد أشرطة تدور حول ثيمة العمل اليدوي والحرفي. ويتزامن هذا مع اقتراح أكاديمي يطالب بالاعتراف بنوع أرحب وعابر للوسائط يشمل هذه الأفلام "الإجرائية" أو المتتبعة لخطوات إنتاج شيء ما، لعملية أو سيرورة صنعه (The Process Genre: Cinema and the Aesthetic of Labor, Salomé Aguilera Skvirsky, 2020, Duke University Press).

 

من ناحية أخرى فالفيلمان وبوضوح هما الأقل خشونة وتسيُّسا―بغض النظر عن أن من المستحيل ألّا تتسرب السياسة، سواء شاهدناهما منفصلين أم في سياق البرنامج. ويمكننا تصور عالم وموضوع «أنماط من الشمس» بالذات ودونا عن غيره كمحتوى مرشح لسلسلة نتفلكس «الخلاصة: فن التصميم»، ومن ثم فهو حلقة الوصل هنا مع مجتمع - مستقبلي في الحالة المصرية - أكثر تقدما ورفاهية، يخلط العمل بالفن والعلم والتجريب والتكنولوجيا والاستقلال الفردي والإبداعي، ويَخبُر مزايا العمل ’المرتاح‘.

 

تنشغل المصممتان موضوع الفيلم بجعل التراثي والمحلي معاصرا ورائجا، من ناحية، ومن ناحية أخرى بالدمج بين التقليدي واليدوي وبين الذهني والروحاني والرقمي. تترجم هذه النزعات والأمزجة من خلال الفيلم نفسه، فالروحانية والتأمل حاضران من خلال موسيقى جورج فريد المحيطة، بأنماطها التسلسلية المستحضرة لجو الثمانينيات العصراني الجديد، والإطارات الواسعة المؤكدة على الفسحة في الوقت والمساحة، ودراسة الكفاءة والراحة في بيئة العمل. وفي الدقيقة ٢٨ تتحول الشاشة إلى مشكال يترجم ويَتشارَك دهشة الاكتشاف العلمي والبصري عند الفنانتين ويومئ إلى فتنة الاحتمالات.

 

ويندمج مكان العمل مع البيت، ووقت العمل مع الرحلة/العطلة/الراحة، بسلاسة تؤكد على حرية الاختيار وإمكانية اندماج العمل - في شروط معينة - مع الاختيار الحر ونمط الحياة، ما يدعو لتأمل يقارن ذلك مع تداخل مماثل في طبقات أدنى وشروط اقتصادية أخرى، في مصر كما في بقية العالم. إذ، في معرض بحثها الفني عن العمل ووقت الفراغ من خلال معايشة بعض حرفيي الطباعة الميكانيكية التقليدية الباقين في هونغ كونغ، تشرح إيلِاين و. هُو كيف أن الدمج بين العمل والحياة المنزلية "سمح لجيل من ربات البيوت وأطفالهن وجيرانهن بإيجاد توازن دينامي بين العمل العاطفي والنجاة الاقتصادية"، لكن السؤال الآن هو "إلى أين يوصلنا ذلك اليوم فيما يُجرى من تفاوضات بين الخاص والعام، وبين العمل والفراغ…؟"، متابعة:

 

كثيرا ما يوصَف نظام الإنتاج ’خارج المنشأة‘ الخاص بالعمل المأخوذ إلى المنزل والصناعات البيتية بأنه شكل من أشكال التحول الصناعي البدائي، ولكن إذا تجنبنا الانسياق إلى الحنين بشأن ما قد تبدو عليه صناعة منزلية اليوم … فلابد أن الإجابات تقع في موضع ما في منطقة إعادة كتابة شروط التوازن بين العمل والفراغ. ("يخف وزنها وتظل كثيفة العمالة"، «كيف تناور: في شكل النصوص وتدابير النشر»، معرض ٤٢١، أبو ظبي، ٢٠٢٠)

 

الروحانية في «أنماط من الشمس»، على كل حال، مختلفة عن روحانية (وحسية) العمل اليدوي الكادح في الأفلام الأخرى، لكنها تخاطبها من حيث تفترق عنها. المشترك هو الإنسان كما في قصيدة لصلاح جاهين، الإنسان كوسيط تحويلي بين الرب والخامة، واحتياجه الضروري إلى العمل على نحو أو آخر، أكان شاقا ("فيك يا حديد روحانية") أم ينعم بالامتيازات. حيث يقفز هنا أيضا قلق البحث والتواصل وتوتر الرغبة في التحقق، وحضور أشباح الصناع البعيدين المهددين معيشيا (وثقافيا)، في هذه المساحات الهادئة الرحبة، التي تنشغل ساكنتاها بصياغة علاقة تتعشمان أن تنقذ الطرف الآخر المهدد بمزيد من الغياب المؤرق.

«كايروپوليتان» (علي سليمان، ٢٠٢١، ١٩ دق)

يرينا «كايروپوليتان» نماذج قليلة من صناع ومنتجات العلامة التجارية التي تمنح الفيلم الترويجي اسمه (وهو من إنتاجها أيضا)، ويبوح الاسم بالانجذاب نحو قاهرة عالمية متعددة الجنسيات واللغات، وبالتالي إلى زمن مضى.

 

تكتسب منتجات وسلع وأغراض مادية معينة طابعا ثقافيا شعبيا مثل كرسي المقهى الخشبي بطرازه المميز والذي يسرد الصانع تاريخه، وأسماء علاماته التجارية البارزة، في رد اعتبار للمقابل المحلي لـ"المونوبلوك" العالمي، الأكثر ابتذالا وعملية وانتشارا، والذي تنتج الشركة مصغراته بالمثل، والفكرة هي تحويل الأشياء وظيفيا، أو تجريدها من أي وظيفة، وتصغيرها لتصبح لعبة أو ديكورا أو تذكارا. وتنضم إليها معالم ورموز مثل ميضة جامع ابن طولون، حيث يحوله صبه ونسخه وتقزيمه إلى شيء يقع في منطقة ملتبسة بين الأغراض الشعائرية والأشياء المسكونة بعواطف دينية، وبين الاستعمال والإعجاب الدنيوي بل والتدنيسي، على طريقته الخاصة جريا على معادلة ڤالتر بنيامين الحداثية―تحويل القيمة العبادية إلى قيمة عَرْضية. ينسجم ذلك الاختيار في الفيلم مع اختيار نموذج العملة المعدنية - المتحولة إلى سطح توضع عليه الأكواب وخلافها، وهي على عكس الأشياء الباقية تكبر - والتي توحي بتزييف النقود، وفي الآن نفسه بتقليد هواية جمع العملات (الحقيقية).

 

يسمح لنا تجاور المعمول يدويا (الكرسيان) والمصبوب (حتى بدون ماكينة) بتأمل الفروق ومسألة القيمة وجدلية الأصلي والزائف والكيتش، على الأخص مع تجاور منتجات «كايروپوليتان» ذات الطابع الراقي مع منتجات ’بلدية‘ في «الدنيا فابريكا». ومن جديد تعود ثنائية الانجذاب إلى العمل والنفور منه عندما يشكو أحد الصانعين من "الزهق" بينما يؤكد على حبه لما يعمله.

 

في القرن التاسع عشر رأى بودلير (في «فلسفة الدمى» أو «فلسفة الألعاب») لعب الأطفال بالدمى بوصفه عالم بحثهم عن هوية فردية مستقبلية. في القرن العشرين رأى رولان بارت في أساطيره الحداثية («ميثولوجيات») أن الدمى الفرنسية تؤهل الطفل لقبول عالم الكبار (وطابعه الوطني المحدد)، ليصبح مستخدما له، لا خالقا أو صانعا أو مبدعا، على عكس اللعب بالمكعبات أو قطع التكوين والبناء، كما يجدر بالذكر هنا حماسه للخشب في ألعاب الحرفيين الأقدم عهدا. وهو ما تقول مصممة الألعاب كاس هولمان (في حلقة من «فن التصميم») أنها (حتى اليوم) تعمل جزئيا ضده. يدعونا كل ذلك إلى التفكير في معاني هذه الأشياء الحقيقية من عالم الراشدين (والأجيال الأقدم) والتي تحولت إلى لعب ودمى لا تستهدف الأطفال، في سياق كل التساؤل الذي يطرحه البرنامج عن الإنتاج والراحة، الحلم واليقظة، الطفولة والنمو، أطياف الماضي وأشباح المستقبل.

صناع في الشمس

وفقا لدريدا، وبينما تكمن الطيفية أو الشبحية متعددة الطبقات في صميم السينما، فإنها تمد صناع الأفلام (والقيمين والمبرمجين؟) بإمكانية "تطعيم" الفيلم بمزيد من الأشباح ("Cinema and Its Ghosts: An Interview with Jacques Derrida", Antoine de Baecque and Thierry Jousse, Discourse, 37.1–2, Winter/Spring 2015, pp. 22–39.). بنى مارك فيشر على هونتولوجيا دريدا (أي نظرية العالم المسكون بأشباح الماضي) ليطبقها على رد فعل الموسيقى الإلكترونية على انسداد المستقبل وضمور الإحساس به وبالتقدم، وكذلك على أفلام بعينها ترجمت رد الفعل بصريا في وقت أسبق مع هزيمة الديموقراطية الاجتماعية في الغرب ("What Is Hauntology?", Film Quarterly, Vol. 66, No. 1, pps 16–24).

 

تتعاضد أفلام «صناع في الشمس» ليخرج سكانها من بشر وأشياء من واحدها إلى الآخر. يعزز الطابع التنويمي المرصود في ’الأفلام الإجرائية‘ تلك التنويمية الأصلية التي يعزوها دريدا إلى تجربة الفرجة، ويساهم في أن يُسْلِم المشاهد إلى هذا التعرض المكثف للأشباح. وهي هنا أشباح مصرية، وُعدت، وطالبت، بأكثر من مستقبل، وتتكدس وسط مواطنيها الأحياء في هذه الأفلام التي تنظر إلى اتجاه لعله المستقبل بينما تعود إلى الوراء. الرداء المطبوع بأنماط من الشمس معالجة رقميا منشور في الخلاء ليوحي بأنه اكتشاف أثري للعرض في متحف، أو لعين ما بعد بشرية، من زمن سحيق، أو موغل في الآتي، أو عالق للأبد.

 

* هذه نسخة مختصرة من مقال الكاتب بالإنجليزية *

 

مَ هُوجْلا-كَلْفَتْ (والمعرّف به سابقا باسم م.ف. كلفت) هو عامل/منتج ثقافي مقيم بالقاهرة، مصر. ترجم بين العربية والإنجليزية، وحرر تِرْسُو Terr.so، المجلة السينمائية الإلكترونية، وبرمج عروض أفلام وأدار نقاشات أفلام، وساهم في إصدارات. بمنحة كتابة من آفاق، يعمل هُوجْلا-كَلْفَتْ حاليا على كتاب بعنوان «تغطية العري»، والذي يحاول رسم خريطة لمواضع ورود وظهور الجسد البشري العاري والعُري والتعرّي والتعرية عبر متاهة من النصوص الأدبية، والخطابات، والمواد البصرية، والثقافات الشعبية، وخبرات الحياة اليومية، في مصر وخارجها.

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

مقابلة

خطط المؤلف و"هدايا القدر": مقابلة مع صانع الأفلام عمرو بيومي

كجزء من برنامج الفيلم الصيفي: صنّاع في الشمس، أجرى العامل الثقافي مَ هُوجْلا-كَلْفَتْ مقابلة مع المخرج عمرو بيومي.

يحدثنا مخرج ومؤلف «رمسيس راح فين؟!» عن ممارساته وعمليته الإبداعية والإنتاجية في صناعة أفلامه التسجيلية (كما يفضل تسميتها ويشرح لماذا، مفندا ادعاءات تقديم الحقيقة)، وعن موقفه من اختلاف القراءات والتأويلات، وعن الحوار الذي تفتحه الأفلام مع جمهورها وعارضيها ونقادها، وعن امتزاج الاختيارات الواعية بالصدف والأقدار والمشاعر، وعن الجوانب السياسية والأخلاقية والجمالية - والاقتصادية أيضا - لكل ذلك.

Read More

 

مَ هُوجْلا-كَلْفَتْ: حضرت معك اليوم عرضا لأحدث أفلامك خلف حاجز أسمنتى شفاف»، ٢٠٢٠) بمصاحبة وثائقي أبكر لك، عن طفل ممثل. ماذا يعني لك لقاء جمهورك ومشاهدة فيلمك معه ثم مناقشت

 

عمرو بيومي: وأنت تصنع فيلما تراودك دائما شكوك بشأن ما سيصل وما لن يصل، ومدى التأثير. هذا اللقاء هو المجال الطبيعي للتعامل مع كل هذا الهواجس أخيرا ومباشرة. هناك مثلا في فيلمي السابق («رمسيس راح فين؟»، ٢٠١٩) جزء شخصي أو ذاتي خاص جدا، ومن المجزي أن أراه يصل بعد شك، سواء لجمهور الإسماعيلية أو القاهرة أو في ألمانيا أو فرنسا. هنا يصبح هذا الشيء يخص أحدا آخر ممن شاهدوه، حيث يرى كل واحد فيه شيئا يخصه. يحدث تعدد بالضرورة، ويضاف إلى ذلك ما يراه هذا أو ذاك من اهتمامي الزائد بهذا الجانب أو ذاك على حساب غيره.

 

كيف تعرِّف نفسك وتعرِّفنا على قائمة أفلامك؟

 

فيلمي الأول روائي وهو «الجسر» (١٩٩٩) من إنتاج قطاع الإنتاج باتحاد الإذاعة والتليفزيون. يليه أول فيلم تسجيلي والمذكور في «خلف حاجز»، وهو ذلك الذي يصوِّر أول صباح في الألفية («غدا تشرق الشمس»، المركز القومي للسينما، ٢٠٠١)، ثم فيلم روائي آخر في ٢٠٠٧ («بلد البنات») وكانت هذه أول وآخر تجربة مع السوق.

 

ثم جاءت مرحلة الأفلام التسجيلية، سواء مع الجزيرة الوثائقية أو بشكل مستقل. أعمالي مع الجزيرة الوثائقية ليست كثيرة لكنها بالنسبة لي مهمة. ذهبت مثلا إلى البوسنة وصنعت فيها خمسة أفلام عن الأوضاع بعد ١٣ عاما من الحرب الأهلية المعروفة. وهناك فيلم مستقل من إنتاج ٢٠١٠ عنوانه «كلام في الجنس» وصنعته بمغامرة مع مجموعة أصدقاء وهو حتى الآن لم يسوَّق وأتيحه فقط برابط خاص. «حلم السيما» (٢٠٠٨) كان مع الجزيرة للأطفال. وهناك فيلم عن الشاعر زين العابدين فؤاد وفيلم عن اغتيال رفعت المحجوب في إطار سلسلة أفلام عن الجريمة السياسية.

 

ثم جاء «رمسيس» وهو أيضا إنتاج مستقل وتلاه فيلم آخر للجزيرة الوثائقية لم يُذَع حتى الآن، اسمه «شجرة الحياة»، عن من يعيشون في المقابر، أو المسماة مدينة الموتى، وهناك تقارير مرئية كثيرة عنها. لكن بالرغم من سخونة القصة والموضوع وإبراز الجانب الميلودرامي دائما، فتجربتي في التفاعل مع المنطقة وأهلها كموضوع للفيلم كانت مختلفة والنتيجة مختلفة حتى في إطار القالب المقرر سلفا وحدود الحرية. المنتج المنفذ هو معتز عبد الوهاب (تيم وان برودكشن) والمعتقل منذ سنة. اثنان ممن في الفيلم توفيا، والمنطقة كلها تتغير معالمها. إذن ففي غضون سنتين أو ثلاثة سيكون كل ما تراه في الفيلم لا وجود له على أرض الواقع.

 

لدي الآن مشروعان أعمل عليهما، أحدهما عن فرقة مزاهر - لفن الزار - و«حميثرة» أو أبو الحسن الشاذلي.

 

عن المولد الصوفي الشهير؟

 

ما يجذب نظري هو فكرة حج الفقراء. كيف صنع المصريون، وهم من اخترعوا الدين، نسختهم الخاصة من الحج، وفق احتياجاتهم.

 

وإنتاجه؟

 

مستقل.

 

وماذا بقي على إنجازه؟

 

سنصور في الأيام القادمة السابقة على الحج وحتى الليلة الكبيرة (الموافقة دائما لوقفة عرفة)، ثم نعود لنبدأ ما بعد الإنتاج.

 

لنتوقف إذن عند «رمسيس». مادة أساسية في فيلمك مصورة عن طريقك أنت وصديق لك يوم نقل التمثال في ٢٠٠٦، واستغرق الأمر سنوات لكي تصبح هذه المادة جزءا من فيلم، بحيث أصبحت أحداث يناير ٢٠١١ أيضا جزءا من الفيلم. (ويلح على الواحد مثلا سؤال إن كانت مجرد صدفة موفقة أن يخرج فيلمك عشية المئوية الثانية لاكتشاف التمثال على يد كافيليا.) حدثنا عن هذه العملية الخاصة بزمنية صناعة الفيلم وتشكله، وعن ممارستك كصانع أفلام، والكيفية التي كنت تقرر بها تصوير مادة بعينها سواء لغرض واضح أم لا.

 

بعد «الجسر» كتب سمير فريد مقالة أشار فيها إلى كون توثيق الحي (الكوربة) جزءا من أسلوب الفيلم وتكوينه البصري. علاقتي بالمكان وتأملي هو المفتاح هنا. وهذا حاضر أيضا في «بلد البنات»، أي بعد تصويري في ٢٠٠٦ مادة نقل التمثال حيث نجد في الفيلم لاحقا هذا الملمح الخاص بالمكان والعلاقة معه، ميدان رمسيس ومحطة مصر في هذه الحالة. أحب محمد خان بشكل خاص بسبب علاقته بالمدينة وعلى الأخص في بعض أفلامه. أنا ابن المدينة. ذكريات طفولتي فيها لا في الريف أو الصعيد، وهي عالمي الذي كبرت فيه وأستكشفه في الأفلام بأشكال مختلفة، بكل التغيرات التي تحدث للمدينة وشكل الحياة فيها والمرتبطة بفترات معينة والممثلة لتغيرات سياسية واجتماعية.

 

أما عن «رمسيس» فهناك ذلك الشيء الذي يصعب تفسيره، وهو أن تولد لدي، أثناء متابعتي للأخبار المتضاربة حول نقله من عدمه وتوقيت نقله، هذه الرغبة في تصوير الحدث، والوعي بأنها لحظة لن تتكرر. لقد سرت مع الجماهير التي تراها في الفيلم لكنني كنت قد خططت واتفقت مع أصحاب الأماكن التي تنقلت بينها للتصوير منها على خط سير التمثال، وسهرت حتى الصباح. ولهذه الليلة ومعايشة الحدث تأثير كبير عليَّ بالرغم من أن لا رغبتي كانت واضحة ولا خطتي تشمل هذا التوقع المسبق للخبرة. تفاعل الناس مع موكب التمثال كما عايشته حدث في سياق سجال تحريم التماثيل، وأصبحت لدي وثيقة بسيطة ومباشرة لإقبال الناس العفوي من دون احتفال رسمي أو توجيه.

 

لكن بقيت هناك حاجة لاختمار هذه الدهشة والتساؤلات. وكانت صورة المشاهد ما زالت حاضرة، وأحيانا يحدث السحر بعد أخذ مسافة زمنية من الصورة. ولا اختيار لتوقيت هنا. وبعد يناير جاءت الحيرة الخاصة بما الذي يمكنني تقديمه اليوم، وأين أقف فيه من يناير، وهل يكون دراما بطبيعته، أم تجريدا محايدا ومراقبا من بعيد.

 

ثم في ٢٠١٥ شاهدت محتويات القرص المضغوط حيث كنت قد نقلت حوالي أربع دقائق من مادة ٢٠٠٦ بعد تحويلها إلى شكل رقمي. كان لها حضور قوي وشعرت بأنني أمام طرف خيط. قضيت في المعالجة سنة على أساس أن التمثال هو الحكواتي واستلزم هذا الفرض الدرامي نصا له نبرة وروح معينة، وهذا ما ألهمني به الإعلان الذي كنت قد بحثت عنه ووجدته وقت تصوير النقل. غيرت المعالجة عندما وصلت إلى نقطة غير مرضية، واخترت أن أحكي أنا الحكاية. وهذه هي الورطة المهمة. أفضل ما حدث من أجل الفيلم في ذلك التوقيت هو مجيء منحة إقامة في ألمانيا (من دوكس بوكس). وبدأت الأسئلة المطروحة تسلمني إلى غيرها؛ فإذا كنت أنا الراوي فمن أنا بالضبط؟ لست الصوت المحايد والاحترافي كما في أفلام الجزيرة الوثائقية والقالب المحدد سلفا.

 

جعلتني الأسئلة أكتشف مساحة مقاومة ذاتية لأن مسألة صوتي وغيرها تعني نوعا من التعرِّي. في ألمانيا انصرفت تماما لمادة غزيرة متنوعة المصادر بحوزتي أو في الأراشيف. إحدى الحيل أو التكنيكات التي جربتها في برلين هي أنني كنت أكلم نفسي على مرأى من الناس، وكما يقول المثل الشعبي "البلد اللي محدش يعرفك فيها شلَّح وامشي فيها". كان هذا بديلا عن الحوار الذهني، كما أراحتني وحررتني فكرة أنني لا أصنع فيلما عن حياتي وإنما عن حدث نقل تمثال رمسيس مستغلا بعض الأمور الشخصية. كلها آليات تكسير مقاومة وقادتني إلى تبيُّن محور التقاء السلطة السياسية بالسلطة الاجتماعية. أصبح لعلاقتي بأبي، وحياتي التي هي رد فعل على هذه العلاقة، سياق موضوعي. وأكملت كل هذا نظرتي السياسية؛ نقدي للنظام الأبوي وتقديس الزعيم والأصنام.

 

يحكم اختياراتك أيضا قانون الذاكرة أو قانون السيرة الذاتية؛ النكسة لا تذكر على الإطلاق مثلا لكن جنازة عبد الناصر موجودة لأنها مرتبطة بتعطيل الدراسة وكيف تذكر المدرسة بعد العودة. لكن من ناحية أخرى في مشاهد الحديث عن تحولات المصريين في الثمانينيات والتحايلات الفردية نشاهد المواطنين ينطون فوق الحواجز. كيف أنتجت لحظة كهذه في الفيلم؟ هل أنت هنا تعلق على الصور الأرشيفية أم هناك في البداية سرد يبحث عما يخدمه ويدعمه؟

 

هذه المشاهد من مادة تعود إلى أواخر السبعينيات-أوائل الثمانينيات وهي ضمن أشياء كنت أسميها في رحلة «رمسيس» "هدايا القدر". في كلية الفنون الجميلة في أول الثمانينيات طلب مشرف من مجموعة طلبة أن يرصدوا ميدان رمسيس بكاميرات ڤيديو منزلية VHS، والتصوير غير احترافي. في تعاوني مع أمجد نجيب، وهو جامع مقتنيات، وصلت إلى شرائح العرض الخاصة بصور هذا المشروع، والتي كانت في صناديق المشرف بعد وفاته ووصلت إلى أمجد.

 

كذلك المادة الخاصة بجنازة عبد الناصر كان التليفزيون السويسري قد أتاحها لتوه وأرسل لي أحمد المغربي الرابط. هناك تواطؤ ما يحدث بين القصدية وبين البحث والتنقيب وبين ظهور أشياء أكثر إدهاشا من أي شيء رأيته.

 

هناك مثال مختلف هو مشاهد صناديقي أنا وقد صورتها في ٢٠١٣ قبل الانتقال مرة أخرى إلى السكاكيني (والذي يبدأ به الفيلم). صورت اللقطات أثناء العمل على معالجة مشروع فيلم بعنوان «شنطة سفر» عن حالة الانتقال وحقائب الذكريات. لم ينجز الفيلم لكن هذه الشحنة انتقلت إلى «رمسيس». كانت هذه بداية المراوغة الذهنية التي أوصلتني أثناء المعالجة الثانية إلى أن أكون الراوي، بين ٢٠١٥-٢٠١٦، ثم جاءت الإقامة في ألمانيا في ٢٠١٧.

 

لكن ماذا عن الاختيارات الخاصة بأرشيف الأسرة وهو ليس أرشيفك وحدك، وهذه قصة والدك ووالدتك لا قصتك وحدك؟ هناك أيضا زملاء دفعتك ووحدتك العسكرية. منطقة الأخلاقيات وعرة وغير واضحة. كيف خضتها هنا؟

 

جزء من رحلة العمل التي وصفتها هو عمليات التفكير في هذا وعمل حلول. كان قد أصبح واضحا أن الذاتية ستكون بصمة الفيلم، وكان من الضروري أن تدخل ذهنيتي في العملية الفيلمية دون أن تنحصر في تكسير المقاومة كيلا ينعكس هذا التشويش على الفيلم. لقد برز الجزء الشخصي إلى المقدمة، كنتيجة لتجارب المشاهدين الشخصية، ومن السهل تصنيف هذا كفيلم ذاتي أو شخصي. في تاريخنا الاجتماعي هناك أزمة خاصة في العلاقة بالأب. بعض التعليقات والمشاركات على صفحة الفيلم فيها بوح من المشاهدين عن علاقاتهم بآبائهم.

 

يقودني هذا إلى السؤال عن القراءات والتأويلات ومواقع المشاهدين. سيفهم المشاهد المصري أن البائعين الجائلين يَلِمُّون بضاعتهم بسبب خبرته المباشرة مع منظر "البلدية"، في غياب أي تعليق صوتي يشرح. وأنت قلت ما معناه إن الفيلم عندما يخرج لا يعود خاضعا لسلطتك. ونحن لا نتحدث بالضرورة عن القصد والمقصود لأن هناك عناصر أشرت إليها من محالفة التوفيق وهناك أيضا اللاوعي وعمله. لكني ما زلت أتساءل عن مشروعية بعض أنواع التلقي. ألاحظ مثلا أن سرد الفيلم بالعامية، أيا يكن مستوى العامية، فهي هنا عامية المثقفين، بل إنك تنطق الذال والثاء والقاف بالرغم من أنها أصوات غير موجودة في العامية المصرية، القاهرية وغيرها. أما مواضع ورود الفصحى فكلها تمثل السلطة: الأشرطة الإخبارية السينمائية من الخمسينيات والسبعينيات وصولا إلى رسالة والدك التي تقرأها أنت. هناك أيضا السياق الذي يوضع فيه فيلمك، كنوع من قراءة معينة له؛ البرنامج الرقمي الحالي مثلا والذي يضعه وسط أفلام عن التصميم والصناعات اليدوية والعمل اليدوي.

 

يعيدنا هذا إلى كلامي عن التشكك في وصول الرسائل. بحكم ذوقي الشخصي في مشاهدة الأفلام أميل إلى تتبع علاقات ذكية تولد داخلها، ودغدغة الأفكار وتحريك المشاعر، وهذا جزء من أسلوبي.

 

وسط كل بحثي في الأرشيف اكتشفت أن جورج البهجوري اهتم دونا عن غيره في فترة برمسيس، فنشرت له مجلة «روز اليوسف» ٣-٤ كاريكاتيرات في كل عدد تباعا. انتقيت مجموعة منها واكتشفت أنها ساعدت في تضفير أفكار مع بقية الفيلم. كما كانت بديلا عن مواد أكثر مباشرة وربما رصانة وكانت أكثر تناسقا مع المقابلتين مع الناس في الميدان، والكلام العفوي اللطيف. كان هناك اتجاه ينمو نحو ثيمة لحنية واحدة. تعرف أن التكوين بكامله سيكون منفتحا على تأويلات لكنها لن تخرج عن الخط الأساسي الذي تضعه للمشاهد. اللعبة كلها هنا.

 

في البرازيل اهتم بفيلم «رمسيس» برنامج أكاديمي في الجامعة الفيدرالية لسان پاولو. شاهدت تقديم فيلمي بشكل كان جديدا تماما عليَّ، من منظور الدراسات الإسلامية والتاريخية وأشياء أخرى، وصاحبت العرض مواد بصرية لتدعم قراءة المحاضر للفيلم، وتلا ذلك حوار مع الطلبة والأساتذة. كانت التجربة بكل تفاصيلها مدهشة. طرحت أيضا مسألة فعل المقاومة أو آلية المقاومة المتعلقة بالأرشيف والذاكرة.

 

من العجيب بالنسبة لي كيف أن فيلما به كل هذه المادة الأرشيفية، وإعلان بالأبيض والأسود، وكل هذه الأغاني القديمة، وأيضا العود بشكل خاص، وهي عناصر مرتبطة نمطيا بإثارة الحنين واللعب على الحنين، يؤدي إلى نتيجة مختلفة بالمرة. وفسرت ذلك بأن فيلمك لا يستهلك الأرشيف والتراث. هل يتعلق هذا بي جزئيا على الأقل كمتلقٍّ متخلص من الحنين ربما؟ أيضا في زمن اليوتيوب وفيسبوك حيث تنتشر مواد ذات شعبية كبيرة عن فكرة مصر زمان، كيف تتعامل حساسيتك في الفيلم حيال هذا السياق؟

 

أربع سنوات هي زمن صنع الفيلم، وهي رحلة مجهدة وثقيلة ذهب رأسي خلالها في مليون اتجاه. خطر لي مثلا أن ما أفعله هو عملية تنظيم لفيسبوك أو الوسائط الاجتماعية وفكرت أن هذه الوسائط خلقت حالة حنين عند الناس. يمكنك القول إن موقفي لم يكن ضدها ولم أرغب في التغطية عليها أو طمسها. فهناك في الفيلم مساحة عريضة للتاريخ. شمل الجانب البحثي أربعة محاور أساسية هي الملك رمسيس الثاني، وهذا التمثال تحديدا من بين كل تماثيله الباقية، والميدان كموقع جغرافي له تاريخ، وحدث النقل.

 

هذا البحث المنظم جعل المادة منظمة بدورها، ثم يبدأ الغزْل، غزل كل ذلك وسياقاته، وكشف الأشياء لعلاقاتها. لنعد مثلا إلى المسألة الأخلاقية والأسرة. لقد ظل التفكير في استخدام خطاب أبي عالقا لفترة طويلة ولم أضمه إلا في الأسبوع الأخير قبل النسخة النهائية. ما حسم القرار هو أن صوت أبي كان غائبا بينما أحكي أنا الحكاية من وجهة نظري. بدا أن ذلك هو الصواب والأخلاقي. أصبح الخطاب حتميا وعمل هذا بدوره على إبراز قصة الأب، كما حسم كل التخبط والمراوحة، ولكن بفضل الصدق مع النفس ومن دون تهويمات خلال عملية الاختيارات، بهدف إيصال شيء ولكن بشكل غير مباشر ومنفتح على القراءات.

 

لعقود طويلة ظللنا في مصر نستخدم مصطلح تسجيليثم أخذ يزاحمه ويختلط به مصطلح وثائقي‘. كنا فيما مضى نتحدث عن التسجيليين‘. هل لديك شخصيا تفضيل؟ هل يمكننا استخدامهما بالتبادل كما يحدث بالفعل؟ أم أنهما شيئان مختلفان؟ على الأخص وأن التسجيلي ارتبط لدينا تاريخيا بالتليفزيون وبالشريط الإخباري أو التعليمي في دور السينما قبل عرض الفيلم الروائي الطويل.

 

أعتقد أن "تسجيلي" هي الترجمة السليمة للكلمة الإنجليزية (documentary). لكن المهم أن التسجيلي متنوع، من التعليمي إلى الدعائي إلخ، ولا أعتقد أن الوثائقي هو شكل بعينه من أشكال التسجيلي، لكن الكلمة متأثرة فيما يبدو بوجود وثائق في بعض الأفلام التسجيلية، كما روجتها قناة الجزيرة الوثائقية. هناك تراث تنظيري كبير عند الروس عن الحقيقة والسينما، ومر ذلك بنقلات في أوقات معينة بخصوص معاني مصطلحات مثل ’تسجيلي‘ و’روائي‘ وهل هما ضدان، هذا عالم الخيال وهذا عالم الواقع. الموضوعية والحياد وَهْم، فبمجرد أن تضع الكاميرا في اتجاه معين دون آخر، أو تنتقي من كلام إحدى الشخصيات في المونتاج، تكون قد اخترت. دعنا نسلم بأن التسجيلي مجرد وسيلة مختلفة في الحكي وفي السرد واتجاه مختلف في الاشتباك مع الواقع يضع المشاهد في حالة نشاط ذهني خاصة.

 

ومع ذلك ما زالت هناك توقعات. اليوم مثلا أبدى مشاهد استغرابه من أن فيلمك الأخير لم يكد يتناول كوڤيد-١٩، باعتباره فيلما تسجيليا قصيرا وُصف بأنك صورته في البيت ومن الشرفة أثناء حالة الحجر والعزل.

 

نعم بل توقع أحدهم أنه سيشاهد مقاطع من الأخبار وأخرى عن تقارير وزارة الصحة. على كل حال دعني أخبرك أيضا أن الأصدقاء ممن عرضت عليهم النسخة النهائية قبل العرض العام لم يحبوا الفيلم على الإطلاق. أعتقد أنني كنت متحررا من كل شيء أثناء صنع هذا الفيلم.

 

هل تعتقد أن الثقافة السينمائية لدينا ما زالت بحاجة إلى إتاحة أكبر وأكبر للأفلام لتألف هذا التداخل وهذه السيولة؟

 

السينما المصرية مشاكلها عميقة ومتراكمة ومتصاعدة وهذا ينسحب على الفيلم التسجيلي بشكل خاص. فمهما كان جيد المستوى ومهما كان ترفيهيا بمعنى أنه غير جاف أو ثقيل، ليس بعد من المواد المرغوب فيها على الإطلاق في المحطات والمنصات التي تدفع وتشتري. العائد مسألة مهمة للاستمرار.

 

التقدم لجهات دعم ومصادر تمويل مختلفة لإنتاج عمل واحد لا يوصل إلا إلى أموال قليلة إن وجدت. وهي عملية أشبه بمسابقة. تُطلَق دعوة فيتقدم لها صناع كثيرون تفحص مشاريعهم لجنة قراءة واختيار. قد ترفض في هذا العام وتقبل في العام المقبل لأنها مسألة حظ واللجنة تتغير.

 

هناك من يتقنون اللعبة ويحصلون على عائد مجزٍ ومربح بالفعل قبل عرض الفيلم، مثلا من خلال إنفاق بنود الميزانية فعليا بشكل يوفر كثيرا من الأرقام المكتوبة. وهذا يؤمِّن الصانع مسبقا من أي خسائر بعد العرض. فيلمي (الحاصل على جائزة مهرجان الإسماعيلية الأولى) لم يحصل على مليم واحد. رحلة برلين هي شكل الدعم المفيد الوحيد للفيلم على المستوى الفني (إلى جانب المساعدات والأدوار التي قدمها الجيزويت، ورحّالة، وتيم وان پرودكشنز، والمركز المصري للثقافة والفنون، بالطبع). منذ ٢٠١٩ وحتى اليوم لم يهتم أحد. أيضا هالة لطفي، المخرجة الزميلة، القائمة على شركة حصالة (وهي تعاونية) تضم فيلمي إلى أفلام من إنتاجها وأفلام أخرى مهمة وقوية جدا بحيث يسهل الاتفاق على صفقة لمجموعة من ١٢ فيلما، لكن هذا لم يحدث. عرضنا على شركة ميديا كبيرة ورفضت. دعني أقول إن المنطقة العربية ما زالت لديها حساسية ضد الفيلم التسجيلي. هذا نوع مقصود من التضييق.

 

قد يأتي وقت أتيح فيه مجانا أفلامي التي لم تسوَّق، وربما يشق «رمسيس» طريقه ويجد فرصة هنا وفرصة هناك. التحويل الرقمي والإتاحة ليس هو السؤال المعضلة. السؤال المعضلة هو العائد. وإلا سيبقى الأمر معافرة ذاتية وتضحية ورفاهية وهذه ليست متوفرة دائما.

 

حصالة ورحالة نشطتا بعد ٢٠١١، ضمن محاولات لتطوير اقتصاديات جديدة بديلة. ومع ذلك فأنت تتكلم عن حصار لم تنجحوا في فكه. يبدو هذا غريبا لي على الأخص بعد ظهور البرامج الرقمية ومنصات مستقلة متنوعة مثل «أفلامنا» (بيروت دي سي)، حيث يوجد عرض شبه دائم لبرنامج أسبوعي. أفكر أيضا في نتفلكس والتي نشاهد اليوم عليها أعمالا عربية متنوعة تشمل أفلاما وثائقية (مارون بغدادي مثلا).

 

كل محاولات الأفراد أو المجموعات لتجاوز العوائق في إطار منظومة مهترئة مجهدة لم تسفر عن تيار يخلق واقعا جديدا ونقلة نوعية.

 

وجود أعمال وثائقية عربية على نتفلكس ضعيف جدا، وحتى الأجنبي منها رديء إجمالا أو متوسط أو عادي. أما الاستثناءات عالية المستوى فقد أنفقت عليها ميزانيات كبيرة تشمل أطقم باحثين، ولا تقترب منها ولو من بعيد القيمة الإنتاجية المتاحة للمنطقة العربية، والاختيارات عقيمة. بشكل واعٍ تذهب الأموال إلى اتجاهات محددة، بينما الباب مغلق أمام الصناع أنفسهم حيث لا سبيل لتقديم اقتراحاتهم. وهذه هي نتفلكس، المنصة العريضة التي أصبحت عليها أفلام شاهين، وهناك تنوع كبير في خريطتها، وأصبحت تنتج وهي الآن أستوديو كبير.

 

بمن من التسجيليين المصريين أو غيرهم تأثرت أو على الأقل بمن تهتم اهتماما خاصا؟

 

عمر أميرالاي، وحسام علي، وعلي الغزولي، وهاشم النحاس، وسمير عوف، وشادي عبد السلام، وعطيات الأبنودي، وسامي السلموني. أيضا سعيد شيمي كمدير تصوير. عندما كان يهم الدولة (المركز القومي للسينما) أن تشتبك مع كل هذا ويهمها وعي المشاهد كان لدينا أيضا صناع أفلام يمكنهم استغلال ذلك الوضع. لم يعد لدينا حتى ذلك الآن. بعد تلك الأجيال - وأذكر أيضا شفيع شلبي الذي رحل مؤخرا وهو ليس صانع أفلام وإنما أقرب إلى إعلامي مستقل - هل لدينا جيل جديد أو تيار معني بالفيلم التسجيلي؟ لا أظن.

 

مَ هُوجْلا-كَلْفَتْ (والمعرّف به سابقا باسم م.ف. كلفت) هو عامل/منتج ثقافي مقيم بالقاهرة، مصر. ترجم بين العربية والإنجليزية، وحرر تِرْسُو Terr.so، المجلة السينمائية الإلكترونية، وبرمج عروض أفلام وأدار نقاشات أفلام، وساهم في إصدارات. بمنحة كتابة من آفاق، يعمل هُوجْلا-كَلْفَتْ حاليا على كتاب بعنوان «تغطية العري»، والذي يحاول رسم خريطة لمواضع ورود وظهور الجسد البشري العاري والعُري والتعرّي والتعرية عبر متاهة من النصوص الأدبية، والخطابات، والمواد البصرية، والثقافات الشعبية، وخبرات الحياة اليومية، في مصر وخارجها.


عمرو بيومي هو كاتب سيناريو ومخرج أفلام مصري مستقل يتمتع بخبرة استثنائية في مجموعة متنوعة من مجالات الإعلام وصناعة الأفلام تمتد عبر 35 عامًا من الخبرة. عمرو حاصل على بكالوريوس في الإخراج السينمائي - من المعهد العالي للسينما بالقاهرة ، مصر عام 1985 ، وحصل على العديد من الجوائز عن عمله (الجسر) 1999 ؛ فيلم يسلط الضوء على فجوة التواصل في أسرة مصرية من الطبقة الوسطى عبر ثلاثة أجيال مختلفة وبطولة أمثال محمود مرسي ومادلين طبر. حصل فيلمه الوثائقي الطويل (رمسيس راح فين؟) 2019 مؤخرًا على الجائزة الكبرى لمهرجان الإسماعيلية السينمائي لربطه تاريخ شخصي معقد بتاريخ بلد بأكمله ، وتوثيق حدث غير عادي.